الأحد 17 رجب / 24 مارس 2019
01:36 ص بتوقيت الدوحة

الصداقة

124
الصداقة
الصداقة
هل أتى عليك حين من الدهر قد استوحشت فيه وكادت ظروف الحياة أن تقتلعك من جذورك، فأحسست أنك وحيد في دربك، ثم إذا بيدٍّ حانية تمتد إليك لتمسح جرحك، ونفس أبية تتوثب لتقف معك؟ وهل أتى عليك حين من الدهر قد أرسلت للثقة عنانَها فصافيت ووفيت، ثم إذا بمن فعلت من أجله ذلك كله يقلب لك ظهر المجنّ وينسى كريم فعالك؟
لا شك في أن كل واحد منا مرّ بهذه اللحظات، وجرب في معايشتِهِ الناسَ صنوفًا ينتمي بعضهم إلى الصنف الأول، وينتمي بعضهم إلى الصنف الثاني.
وسرّ ذلك أننا نحتاج إلى العلاقة بالناس؛ فالإنسان كما يعرفه ابن خلدون «كائن اجتماعي»، ونزعة التعارف تسكن البشر مهما اختلفت أعراقهم وعصورهم، ولكن العلاقة بالبشر تحتاج إلى سياسة خاصة، كُتب فيها كثير من الكتب. وقد حير لغز الصداقة الأقدمين حتى كتب التوحيدي كتابه عن «الصداقة والصديق»، وأودعه نماذجَ من الوفاء، وأخرى من التبرم والنكران. فسبحان من جعل الناس معادن، وجعل الأرواح جنودًا مجندة.
بعيدًا عن الإطالة في البعد الفلسفي للصداقة، دعونا نتذكر معًا بعض الأسس التي تحتاج إليها أي صداقة ناجحة.
أول تلك الأسس: أن تبتعد الصداقة عن التكلّف، وعن كل دواعي النفاق، وأن تُبنى على ركن من الصراحة والوداد.
إذا المرءُ لم يلقاكَ إلا تكلُّفًا
فدعْه ولا تكثِرْ عليهِ التأسُّفا
وثانيها: أن تكون العَلاقة مبنية على خير؛ فخير الصحب من ينهضك حالُه، ويدلك على الله مقالُه. وتثبت الدراسات أن الصداقات التي بنيت على أسس من قَبيل الخير والثقافة والعطاء المتبادل تكون أوثق عرًى، وأشد ثباتًا، بعكس الصداقة المبنية على المنفعة المحضة. وثالث هذه الأسس: التحلي بروح التغاضي، وحسن الظن، والصفح عن الزلات؛ فحري بالصديق أن يعفوَ عن بعض الزلات، وأن يمد يدّ المصافحة قبل أُصْبُعِ الاتهام.
لقد وصف بعضُ الحكماءِ الصديقَ، فقالوا عنه: «إنه من يستر عورتك، ويغفر زلتك، ويستشعر كربك، ويبذل من أجلك». وقد لخص عربي قديم فكرة الصداقة والأخوة في بيتين من الرجز:
إنّ أخاكَ الحقَّ مَن يسعى معك ومن يَضرُّ نفسَه ليَنْفَعـــــَك
ومَنْ إذا ريبُ الزمـــــانِ صدَّعــك شتَّت فيهِ شملَهُ لِيَجْمَعَـــكَ
أعزائي: الصداقة حاجة إنسانية تحتاج إلى فقهٍ، منطلقُهُ الصدقُ، ومظهرُه التضحيةُ، وعنوانُه الوفاءُ، وأساسُه الثقةُ، وركنُه حسنُ الظن، وثمرتُه أخ لم تلِدْهُ أُمُّكَ. فإذا كان ذلك، فنعمّا هي، وإلا فقد استحقّ الأمر قول الشاعر:
إنَّا إِذَا بَلَدٌ نَبَا يَوْمًــــا بِنَـــــــــــا حَمَلَتْ لِآخَرَ نُجْبُنَــــــا أَثْقَالَنَــــا
دَيْدَانُنَا أَن لَّا نَنُوطَ حِبَالَنَا إِلَّا بِأَحْبُلِ مَنْ يُحِبُّ وِصَالَنَــــا
دمتم طيبين، ولا أراكم الله مكروهًا، وأعاذني وإياكم من كل متقلِّب مزاجٍ، ومن كل مسرٍ ما لا يُظهر.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

(حِكَمٌ دُرِّيَّةٌ)

24 مارس 2019

الحَميَّة

17 مارس 2019

الدين

10 مارس 2019

مغامرة الكتابة

03 مارس 2019

الحرية

24 فبراير 2019

بريد العمر

17 فبراير 2019