الأحد 17 رجب / 24 مارس 2019
01:25 ص بتوقيت الدوحة

«العشاء الأخير» للتونسيين!

248
«العشاء الأخير» للتونسيين!
«العشاء الأخير» للتونسيين!
لم تكن لوحة الفنان الإيطالي «ليوناردو دا فينشي» التي سمّاها «العشاء الأخير» أقل إثارة للجدل في تونس من «العشاء الأخير» الذي جمع مساء الثلاثاء الماضي الشيخ راشد الغنوشي بـ «الشيخ» الباجي قايد السبسي، بعد جفاء طال بين الرجلين وعمّق أزمة الحياة السياسية التونسية، ليس فقط لأنه لا الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية، ولا صفحة الشيخ الغنوشي أعلنتا عنه، ولكن أيضاً بسبب تزايد اللغط -بمنسوب غير مسبوق- حول وضعية حركة «النهضة»، على ضوء معطيات تبدو جدية من هيئة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، تدفع بها شيئاً فشيئاً إلى زاوية الاتهام المباشر بالضلوع في الاغتيالات السياسية، التي أقامت تونس في سنة 2013 ولم تقعدها إلى اليوم.
قبل لقاء مساء الثلاثاء، كان الرئيس التونسي رفع ما يسمى بـ «ملف التنظيم السري لحركة النهضة» إلى أنظار مجلس الأمن القومي الذي يرأسه شخصياً، واستقبل في القصر الرئاسي أعضاء هيئة الدفاع عن الشهيدين، فثارت ثائرة القيادات النهضوية التي استنكرت جريان أسماء رموزها على ألسنة ضيوف القصر أثناء تصريحاتهم في باحة القصر، وكان واضحاً كالشمس أن الرئيس السبسي قد أشهر أغلظ عصا يملكها في وجه حليف الأمس.
يومها هلّل «أعداء» النهضة للسبسي، اعتقاداً بأنه قرب منهم «يوم الحساب العسير»، لكنهم منذ العشاء الأخير أصبحوا يحذّرون من «صفقة» جديدة بين «الشيخين»، تعيد «التوافق» بينهما على حساب «الحقيقة»، فهرع أعضاء هيئة الدفاع عن الشهيدين لعقد مؤتمر صحافي جديد، كالوا فيه لجهاز النيابة العمومية اتهامات «التستر على قيادات النهضة الذي يرقى إلى درجة المشاركة في الجريمة»، وهدّدوا علناً بإلقاء النائب العام في السجن!
على نسق الغليان واختلاط السياسي بالقضائي والاقتصادي والاجتماعي، تستهل تونس شهر يناير الساخن، وتبدأ سنتها الانتخابية الحاسمة، أما حال الأحزاب فيها فحدّث ولا حرج، أكثر من مائتي حزب سياسي بعضها ولد ميتاً، وبعضها أصابه الانفجار الكبير، لكن جميعها تشحذ سكاكين الانتخابات، وتجهّز مرشحيها بلا عدّ لرئاسة الدولة وللبرلمان، يحدث ذلك في وقت يشيح فيه ثلاثة أرباع التونسيين بوجوههم عن التصويت -حسب آخر استطلاع للآراء-!.
وأمام الفوضى السياسية العارمة، التي أنتجت بالضرورة فشلاً اقتصادياً وضياعاً قيمياً غير مسبوقين، إضافة إلى ترصد الإرهاب بالموقف، يسود خوف حقيقي من المجهول الذي قد يكون سقوطاً بين براثن الشعبويين والمشعوذين، وقد ازدحمت بهم ردهات السياسة في تونس، أو عودة إلى المربع الأول قبل 14 يناير 2011، أو أيضاً سقوط في طاحونة العنف والفوضى العامة، وجميعها فرضيات نبّهت إليها أطراف عديدة بما في ذلك أطراف منظومة الحكم المتفكك على مدى السنوات الثماني الأطول والأثقل في تاريخ تونس الحديث، الأمر الذي يستوجب أمرين مستعجلين لا مفر منهما: اتفاق جامع على «وقت مستقطع»، أو هدنة تضع فيها الحرب الكلامية بين الفرقاء السياسيين -وما أكثرهم- أوزارها، ثم «حوار وطني» ثانٍ لجرد حساب ثماني سنوات بعد «ثورة الياسمين»، غثّها قبل سمينها، لأن الدولة التونسية أصبحت مهددة بالتفكك، وليس فقط «ياسمين الثورة» بالذبول.
لقد نجحت تونس سنة 2013، في إدارة «حوار وطني» أنقذها من شبح الاقتتال الذي خيّم على سمائها يومها، وتحصلت بفضله لاحقاً على جائزة «نوبل» للسلام، وهي اليوم في أشد الحاجة إلى جولة ثانية منه، بل إن ما يلوح اليوم في الأفق من تهديدات أفدح وأخطر مما كان عليه الأمر قبل خمس سنوات، لأن الجميع تقريباً قد انخرطوا في الحرب المفتوحة، ولم يكد يبقى «طاهر» واحد بمقدوره التجميع، إلا أنه لا خيار ولا مفر سوى التنازل العام، قبل أن يصبح عشاء الثلاثاء الماضي «العشاء الأخير» لكل التونسيين.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

ثماني سنوات

23 ديسمبر 2018

رياح صفراء!

16 ديسمبر 2018

زغردي يا انشراح..!

02 ديسمبر 2018