الجمعة 15 رجب / 22 مارس 2019
01:32 م بتوقيت الدوحة

جحيم «البريكست» (2-2)

33
جحيم «البريكست»   (2-2)
جحيم «البريكست» (2-2)
يمثل «بريكست» هذا المسلك بالضبط، إذا كان الجحيم هو الاعتقاد بأنك لست بحاجة إلى أشخاص آخرين، وأنك تحتاج فقط إلى الاعتناء بنفسك، فإن مؤيدي «بريكست» قابعون هناك بالفعل، أولئك الذين لا يؤمنون إلا بأنفسهم لا يرون ضرورة للتفاوض، لأنهم يفترضون أن الجانب الآخر سوف ينحني لإرادتهم بكل بساطة.
لكن في العلاقات الدولية، فإن افتراض المرء أنه يستطيع تنظيم كل شيء بنفسه يخلق جحيماً يتوجب على الآخرين العيش فيه أيضاً، الجحيم -من هذا المنطلق- هو ما يحدث عندما يستسلم الناس لإغراءات «السيادة» وتقرير مصائرهم بأنفسهم، مما يخلق دائرة مفرغة من العلاقات الأحادية المتوترة والمدمرة لجميع الأطراف، وبالفعل، غالباً ما تدوم هذه النسخة من الجحيم لفترة طويلة، لأن كل طرف لديه ذاكرته الانتقائية الخاصة، ويسعى لمعاقبة الآخر.
وفي حين يبدو أن التأكيد على السيادة يستحضر إمكانات جديدة لا نهاية لها، كما حدث بشكل واضح مع مؤيدي «بريكست»، فإنه في الواقع يقيّد خيارات المرء، على سبيل المثال، يدعو أولئك الذين ينبذون المعاهدات الآخرين إلى القيام بالمثل، وعندها يصبح من الصعب التوصل إلى أي نوع من الاتفاق على الإطلاق، أما أولئك الذين أقنعوا أنفسهم أن بإمكانهم الاختيار بحرية بين عدد لا نهائي من الفرص التي لم تتحقق بعد، فهم يعيشون غالباً في ندم مستمر على ما كان ليحدث، وهذه هي المصيدة التي ينصبها لنا الغرور.
وهكذا، مثلما كان تانتالوس متعلقاً بثمرة بعيدة المنال، فإن المملكة المتحدة تطمح إلى عقد صفقات تجارية تقف عضويتها في الاتحاد الأوروبي عائقاً أمامها، من غير المعروف ماذا سيعني ذلك على أرض الواقع، يمكن أن تهدف المملكة المتحدة إلى تحقيق أقصى قدر من الازدهار من خلال السعي إلى إزالة القيود التنظيمية قدر الإمكان، لكن مع ذلك، ومن أجل ممارسة التجارة بشكل مربح مع الدول الأخرى أو الاتحاد الأوروبي، سيكون عليها الوفاء بالمعايير التنظيمية لتلك الدول فيما يتعلق بالسلامة والجودة وما إلى ذلك، كما أن حرية بريطانيا الجديدة خارج الإطار التنظيمي للاتحاد الأوروبي تقتضي أيضاً التزامات جديدة بتقديم لوائح تنظيمية تحمي سكان المملكة المتحدة. لذا، فالسؤال الحقيقي هنا هو ما إذا كان الهروب أمراً محتملاً بالأساس، إذا أرادت تيريزا ماي أن تتحلى بالجرأة، فبمقدورها إصدار البيان التالي: «الخروج من الاتحاد الأوروبي خطأ فادح، لقد تم التوصل إلى هذا القرار بعد حملة من الأكاذيب والتأثير الأجنبي الخبيث، ومن الواضح أن تكلفته ستتجاوز منافعه بكثير، لذلك قررت حكومتي عدم اتخاذ أية إجراءات أخرى في هذا الصدد، وبدلاً من ذلك، سنلتزم بالعمل مع الاتحاد الأوروبي لمواجهة المخاوف البريطانية، والاستعداد لمستقبل لا يمكن التنبؤ به». من المستحيل أن يصدر مثل هذا البيان بالطبع، لأن ماي دفعت الثمن بالفعل من خلال خياراتها السابقة، ما ينتظرها والمملكة المتحدة هو مزيد من العقاب، في البداية، سينكشف الواقع المرير، وسيكون مختلفاً تماماً عما كان يمكن أن يحدث، ثم سيتوجب على شخص ما أن يتحمل المسؤولية، لكن إلقاء اللوم هو عقاب في حدّ ذاته، في رواية دانتي تقضي فرانشيسكا دا ريميني بقية حياتها الأبدية وهي تحمّل الجميع وكل شيء مسؤولية أفعالها، لكنها لا تلوم نفسها. ينذر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بمصير مماثل على المستوى المحلي، فلا يبدو أن النقاشات الدائرة في «ويستمنستر» و»وايت هول» سوف تنتهي أبداً، والسبب في ذلك يزداد وضوحاً أكثر فأكثر، فالخروج البريطاني هو العذاب الأبدي.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا