الإثنين 20 ربيع الأول / 18 نوفمبر 2019
03:54 ص بتوقيت الدوحة

بريطانيا بين اللا خيار واللا خروج (1-2)

بريطانيا بين اللا خيار واللا خروج (1-2)
بريطانيا بين اللا خيار واللا خروج (1-2)
قلبت محاولة بريطانيا المتعثرة للخروج من الاتحاد الأوروبي وهمين عاشهما العالم منذ نهاية الحرب الباردة رأساً على عقب، هذان الوهمان هما: السيادة الوطنية والتكامل الاقتصادي، أو نقطتا نهاية التاريخ المتلازمتان، على حد وصف فرانسيس فوكوياما في مقاله الشهير عام 1989.
قانونياً، يتكون العالم من 191 دولة ذات سيادة، لها حرية الدخول في معاهدات واتفاقيات واتحادات لترتيب علاقاتها مع بعضها البعض، وبريطانيا واحدة من تلك الدول، وسيكون فشلها في تحقيق خروج هادف من الاتحاد الأوروبي سابقة في التاريخ الحديث لدولة كبرى ذات سيادة تُجبر على البقاء في اتحاد اختياري، بسبب التكلفة الباهظة المترتبة على الخروج، رغم أن القانون يكفل لها حرية القيام بذلك.
هنا يجب أن نفهم الإكراه على أنه سلسلة متصلة من الضغوط، تمتد من استخدام القوة عند أحد طرفيها، إلى العقوبات الاقتصادية والثقافية الخفيفة على الطرف الآخر، وهنا تقاس سيادة أية دولة بمدى تأثرها بأشكال الإكراه المختلفة التي يمكن أن تتعرض لها.
وفقاً لهذا المعيار، سنجد أن قلة قليلة للغاية من دول العالم المائة وإحدى وتسعين تتمتع بسيادة حقيقية، بمعنى أن القوة العسكرية وحدها هي القادرة على إجبارها على تغيير سياساتها وأنظمة حكمها، وتضم هذه الفئة بالتأكيد الولايات المتحدة والصين وروسيا، وربما اليابان والهند، وكانت بريطانيا تستكشف حدود سيادتها في ظل ظروف مؤلمة.
لقد ثبت أنه من المستحيل تقريباً تنفيذ نتيجة الاختيار الثنائي البسيط الذي أتيح للناخبين البريطانيين في استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي في يونيو من عام 2016، ولا تكمن العقبة الرئيسية في تعقيدات التفاوض بشأن اتفاقيات جديدة، لكن في تقدير هؤلاء المسؤولين عن الحياة السياسية في بريطانيا، الذين يرون أن تكاليف أي انسحاب بات ونهائي ستكون ضخمة للغاية.
لقد كرّست رئيسة الوزراء تيريزا ماي كل جهودها خلال الثلاثين شهراً الماضية تقريباً لاحترام تصويت الناخبين بالخروج اسماً لا فعلاً، يعزز هذه الاستراتيجية حقيقة أنه لم تتضح قط بشكل كامل ماهية الكيان الذي ستغادره بريطانيا، إذ يشبه الاتحاد الأوروبي وأنظمته الاقتصادية الفرعية المتداخلة قنديل البحر الهلامي، أكثر من كونه اتحاداً سياسياً واقتصادياً.
ولا تشكّل القدرة على مغادرة الاتحاد الأوروبي الاختبار الحقيقي للسيادة الوطنية عند الطبقة السياسية في بريطانيا، بل القدرة على الخروج بأقل قدر ممكن من التعطيل لسير العمل المعتاد، أي التكامل الاقتصادي البريطاني مع دول الاتحاد الأوروبي، لكن ماذا عن هؤلاء الذين صوّتوا واختاروا قطعاً باتاً للعلاقات البريطانية مع الاتحاد الأوروبي؟!
يأخذنا هذا إلى الوهم الثاني وهو: الاعتقاد الأعمى في الأفضلية العظمى للتكامل الاقتصادي عبر الحدود، مع اللازمة المنطقية لهذا الاعتقاد القائلة، إن الحدود بين الدول تعوق التكامل الأمثل بين الأسواق، ووفقاً لهذه النظرة، تقتصر وظيفة الدولة القومية «الدولة الأمة» على ضمان امتثال السياسات القومية لمعايير الأسواق، وهي نظرة تعتبر الدول مجرد أفرع للحكومة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.