الثلاثاء 14 شوال / 18 يونيو 2019
05:08 ص بتوقيت الدوحة

أوروبا والإمبريالية الجديدة (1-2)

أوروبا والإمبريالية الجديدة (1-2)
أوروبا والإمبريالية الجديدة (1-2)
قبل أكثر من قرن من الزمن، كتب لينين أن الإمبريالية يمكن تعريفها من خلال خمس سمات رئيسية: تركز الإنتاج، والدمج بين رأس المال الصناعي والمالي، والصادرات الرأسمالية، والتكتلات الاحتكارية العابرة للحدود الوطنية، والتقسيم الإقليمي للعالم بين القوى الرأسمالية. حتى وقت قريب، كان الشيوعيون البلاشفة المخلصون فقط هم الذين ما زالوا يرون أن ذلك التعريف مناسب. لكن هذا تغير الآن: إذ يبدو تصور لينين للإمبريالية الآن دقيقاً على نحو متزايد.
قبل بضع سنوات، كان المفترض أن تعمل العولمة على تخفيف قوة الأسواق وتحفيز المنافسة. وكان المأمول أن يؤدي تعميق الاعتماد الاقتصادي المتبادل إلى منع الصراع الدولي. وإذا كان لنا أن نشير في هذا الصدد إلى مؤلفين من أوائل القرن العشرين، فهناك جوزيف شومبتر، رجل الاقتصاد الذي اعتبر «التدمير الخلّاق» قوة دافعة للتقدم، ورجل الدولة البريطاني نورمان أنجيل، الذي زعم أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل جعل النزعة العسكرية فكرة مستهلكة من الماضي. بيد أننا دخلنا رغم ذلك إلى عالم من الاحتكارات الاقتصادية والمنافسة الجيوسياسية. تتلخص المشكلة الأولى في عمالقة التكنولوجيا في الولايات المتحدة، لكنها في حقيقة الأمر واسعة الانتشار. فوفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تزايد تركز الأسواق عبر مجموعة من القطاعات، في الولايات المتحدة وكذا في أوروبا، وتعمل الصين على خلق شركات وطنية كبرى متزايدة الضخامة تدعمها الدولة. أما عن الجغرافيا السياسية، فيبدو أن الولايات المتحدة تخلت عن الأمل في أن يؤدي دمج الصين في الاقتصاد العالمي إلى تقاربها سياسياً مع النظام الغربي الليبرالي الراسخ. على حد تعبير نائب رئيس الولايات المتحدة مايك سبنس الفظ في كلمة ألقاها في أكتوبر 2018، فإن أميركا تنظر إلى الصين الآن باعتبارها منافساً استراتيجياً في عصر جديد من «تنافس القوى العظمى». الواقع أن التركز الاقتصادي والتنافس الجيوسياسي لا ينفصلان. ففي حين كانت شبكة الإنترنت تُعَد ذات يوم مجالاً مفتوحاً وعالمياً وتنافسياً، فإنها الآن تُقَسَّم إلى أرخبيل من الأنظمة الفرعية المنفصلة، والتي تدير بعضها الحكومات. ولا يخلو الأمر من مخاوف متزايدة الحدة من إمكانية استخدام هيمنة شركة هواوي التكنولوجية الصينية العملاقة على مجال تصنيع الجيل الخامس من أجهزة الاتصال اللاسلكية لتحقيق مكاسب جيوسياسية. والآن تحذر رابطة الصناعة الألمانية (BDI) من أن الصين دخلت في «منافسة جهازية مع اقتصادات السوق الليبرالية»، وأنها «تعمل بكفاءة عالية على تجميع القدرات لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية «.
لكن الولايات المتحدة أيضاً تعيد تحديد موقعها، وخاصة في عالم التجارة والاستثمار. فقد أجاز تشريع جرى إقراره مؤخراً لوزارة الخزانة استهداف الاستثمار الأجنبي (الصيني في حقيقة الأمر) «المحفز استراتيجياً»، والذي من شأنه أن «يشكل تهديداً لتفوق الولايات المتحدة التكنولوجي وأمنها الوطني»، مما يشير إلى أن إدارة الرئيس ترمب تعتزم استخدام قواعد فحص الاستثمارات لحماية التفوق التكنولوجي الأميركي. الواقع أن الصين متهمة على نطاق واسع بالخلط بين الاقتصاد والسياسة. غير أن هذا صحيح بنفس القدر في حالة الولايات المتحدة. ولنتأمل هنا استخدام إدارة ترمب للدولار -الذي اعتاد كثيرون على اعتباره سلعة عامة عالمية- ودوره المركزي في التمويل العالمي لفرض عقوبات ثانوية على الشركات الأجنبية التي تتعامل مع إيران. نتيجة لهذا، اضطرت جمعية المعاملات المالية بين البنوك العالمية (سويفت)، التي تقدم خدمة المراسلات المالية وتتخذ من الاتحاد الأوروبي مقراً لها، إلى حرمان البنوك الإيرانية من الوصول إليها، وإلا فإنها تجازف بفقدان قدرتها على الوصول إلى النظام المالي الأميركي. على نحو مماثل، اضطر البنك المركزي الألماني في العام الماضي، تحت ضغوط من الولايات المتحدة، إلى اعتراض سبيل تحويل نقدي ضخم إلى طهران من وديعة إيرانية إلى بنك مملوك لإيران في هامبورج. ومن الواضح أن الولايات المتحدة لم تعد تشعر بأي احتياج إلى ضبط النفس في استخدام القوة النقدية والمالية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.