الإثنين 23 محرم / 23 سبتمبر 2019
04:03 ص بتوقيت الدوحة

القرضاوي في دروس قرآنية تنفرد «العرب» بنشرها:

الإيمان بالغيب.. نور يضيء العقل ويقين يغمر القلب

الثلاثاء، 21 مايو 2019
الإيمان بالغيب.. نور يضيء العقل ويقين يغمر القلب
الإيمان بالغيب.. نور يضيء العقل ويقين يغمر القلب
تنفرد «العرب» من خلال صفحاتها طوال شهر رمضان المبارك، بنشر دروس قرآنية في رمضان لفضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، تحت عنوان: «في رحاب القرآن الكريم»، ويقول فضيلته:
الإيمان بالغيب
وصف الله تعالى المتقين في هذه الآيات الثلاث بخمس صفات؛ الصفة الأولى الإيمان بالغيب {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بالغيب} [البقرة: 3]، الإيمان الإسلامي ليس مجرَّد معرفة ذهنية تنير العقل بما تكشف له من حقائق الوجود الكبرى: الله والوحي والإنسان والمسؤولية والجزاء، إنه أعمق من ذلك وأوسع مدى، إنه نور يضيء العقل، ويقين يغمر القلب، ومُثُلٌ تحفّز الإرادة، وضمير يوجِّه السلوك. وإن شئنا عبَّرنا بما عبّر به الأقدمون من سلفنا، فقلنا: إنه اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان.
ولا غرو أن عرض لنا القرآن الكريم الإيمان مجسَّدا في أعمال وأخلاق ومواقف، لتكون مرآة يرى كل امرئ فيها نفسه، ماذا أخذ منها، وماذا ترك. انظر إلى قوله تعالى في القرآن المكي: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاة فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون: 1-9].
وانظر في القرآن المدني إلى قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15].
الإيمان في السنة
وعرضت السنة النبوية الإيمان في بضع وسبعين شعبة، تتمثل فيها العقائد السليمة، والعبادات الخالصة، والأخلاق الفاضلة، والمعاملات المستقيمة، والعلاقات الطيبة، والمُثُل الإنسانية الرفيعة. وحسبنا أن نقرأ مثل هذه الأحاديث:
«الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة، والحياءُ شعبة من الإيمان».
«المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم».
«لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
كما عرض القرآن لنا الإيمان في مواقف بطولية نرى فيها أثر الإيمان يغني عن كل بيان.. اقرأ قصة سحرة فرعون، وانظر كيف غيَّرهم الإيمان وأنشأهم خلقاً آخر، من (حواة) يسحرون أعين الناس بالباطل، إلى (هُداة) يدعون الناس إلى الحق، لم يرعهم تأله فرعون ولم يرهبهم جبروته، ولم يثنهم وعيده وتهديده بالقتل والصلب.
إن البُعد الإيماني ليس مجرَّد بُعد روحي، إنه كذلك -كما رأينا- بُعد أخلاقي، وبُعد بطولي، بُعد يجعل الإنسان لسان حق، وشعاع هدى، وينبوع خير ورحمة للعالمين، وفي الحديث: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً».
{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة:3]، هؤلاء المتقون لا يقفون عند المحسوسات، بل يتجاوزون دائرة المحسوسات والمشهودات إلى عالم آخر.. عالم الغيب، إن الحيوان يقف عند دائرة الحس، أما الإنسان الراشد فهو الذي يتجاوز المحسَّات إلى المعقولات والمعنويات. ومن هنا كان الإيمان بالغيب دلالة على الرشد الإنساني.
إنَّ هذا الكون الذي نعيش فيه ليس مقصوراً على هذه العوالم المشهودة، فهناك عوالم مُغيَّبة عنا، ليس معنى أننا لا نراها أنها غير موجودة، فكم من عوالم لم يكن يراها الإنسان من قبل ثم هُيِّئَ للإنسان وسائل، فرآها.. الجراثيم والميكروبات والبكتيريا، هذه الأشياء التي أصبحت الآن من الأشياء المقطوع بها، يراها الناس بأجهزة بالملايين ومئات الملايين وآلاف الملايين. النطفة الواحدة من الدم كم فيها من الكائنات الحية؟ هذا ما يراه العلم، وما يراه الناس بالمناظير والمجاهر، لم تكن معروفة من قبل.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.