الثلاثاء 14 ربيع الأول / 12 نوفمبر 2019
10:35 م بتوقيت الدوحة

الاتحاد الأوروبي ولعبة العروش (1-2)

الاتحاد الأوروبي ولعبة العروش (1-2)
الاتحاد الأوروبي ولعبة العروش (1-2)
لقد تبيّن أن انتخابات البرلمان الأوروبي التي انتهت في السادس والعشرين من مايو، كانت مجرد إعادة لقصة «لعبة العروش» (قصة طويلة ومعقّدة تنتهي إلى خاتمة مفاجئة وغير مرضية في نظر كثيرين). وكما هي الحال مع «لعبة العروش»، يدعو بعض المعجبين إلى نهاية مختلفة؛ فهم يودّون لو يُقال المؤلفون وتُعاد كتابة النص.

الواقع أن مناهضي أوروبا -الذين بدا الأمر للحظة وكأن الثلاثي الشعبوي الذي يتألف من ماتيو سالفيني في إيطاليا، وفيكتور أوروبان في المجر، وستيف بانون في أميركا، ربما يقودهم إلى غزوة ظافرة لبروكسل- هُزِموا وتقهقروا. كما خسر أيضاً أنصار أوروبا الذين يدعمون أحزاب مؤسسة الاتحاد الأوروبي. أما الساسة الذين اخترعوا عملية المرشح الأوفر حظاً في محاولة للتأثير على اختيار رئيس المفوضية الأوروبية المقبل، فقد بدوا في مظهر سخيف، مع تقليم وتحجيم أحزاب الاتحاد الأوروبي القديمة. باختصار، أُحبطت التوقعات التقليدية بالكامل.

كانت إحدى النتائج الواضحة للانتخابات جلية قبل فترة طويلة من إعلان النتائج؛ فقد انتهى تماماً الاحتكار الثنائي الطويل الأمد في أوروبا، الذي تمثّل في قوى يسار الوسط ويمين الوسط. كان هذا الاحتكار الثنائي أشد وضوحاً على المستوى الوطني، حيث كان حزب محافظ قليلاً وحزب اشتراكي قليلاً يتقاتلان عادة حول مستوى معاشات التقاعد، وسياسة الأجور، ومدى التحويلات الاجتماعية، وأمور مماثلة. ثم تبيّن احتياج كل حزب آنذاك إلى تعديل موقفه من أجل اجتذاب الناخب المتوسط. وكانت الأنظمة الناتجة عن ذلك في السياسة الوطنية مستقرة إلى حد كبير، وحدا الأمل ببعض المراقبين إلى ترجمة الآلية نفسها على المستوى الأوروبي.
انهار هذا الانشطار اليميني اليساري في إيطاليا منذ أوائل تسعينيات القرن العشرين. وانتهى في فرنسا في وقت أقرب إلى الزمن الحاضر، مع الانتخابات الرئاسية لعام 2017، حيث لم يتمكن أي من مرشحي اليسار القديم ولا اليمين القديم من الوصول إلى جولة الإعادة الثانية. كما أضعف الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني نفسه بشكل منهجي من خلال مشاركته (المسؤولة سياسياً) في الحكومة الائتلافية الكبرى مع الاتحاد الديمقراطي المسيحي. وفي المملكة المتحدة، تسببت مسألة الخروج من الاتحاد الأوروبي في تدمير الحزب المحافظ وربما حزب العمال أيضاً.
في اليونان، كان أداء حزب سيريزا الحاكم هزيلاً، وهو ما يعكس بوضوح وجهة نظر عديد من الناخبين بأنه تحوّل تدريجياً إلى مجرد حزب يساري تقليدي. وباستثناءات بارزة قليلة -في إسبانيا والنمسا على سبيل المثال- كان أداء الديمقراطيين الاجتماعيين على الطريقة القديمة سيئاً. وكانت فرنسا وألمانيا -الدولتان اللتان تندمجان تقليدياً في قلب العملية الأوروبية- المثالين الأشد بروزاً. فبحصول الاشتراكيين الفرنسيين على 6 % من الأصوات، أصبحوا بلا أهمية تُذكر، ولا يبدو الحزب الديمقراطي الاجتماعي أكثر إقناعاً في اللحظة الراهنة.
تعكس الخسائر التي تكبّدتها أحزاب يسار الوسط واقع العالم المفتوح اليوم. فمع اكتساب أوروبا قدراً أعظم من الأهمية على مستوى العالم، سيكون لزاماً عليها أن تقوم بما هو أكثر من مجرد إعادة توزيع الثروة؛ ذلك أن إعادة إنتاج أنظمة الرفاهة القديمة ببساطة على نطاق أوروبي تُعدّ وصفة أكيدة لصراعات لا تنتهي بين أجزاء مختلفة من الاتحاد.
كانت النتيجة الأكثر إثارة للاهتمام في الانتخابات، الضعف النسبي الذي أصاب الأحزاب الشعبوية اليمينية والأحزاب القومية؛ فهي أيضاً أدرجت في برامجها قدراً كبيراً من الحماية الاجتماعية. على سبيل المثال، كان حزب الحشد الوطني بقيادة مارين لوبان (واجهتها الجديدة لحزب الجبهة الوطنية القديم) أبعد إلى اليسار في ما يتصل بالقضايا الاجتماعية من قائمة «النهضة» التي وضعها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والتي هُزمت بفارق ضئيل.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.