الأربعاء 14 ذو القعدة / 17 يوليه 2019
07:20 ص بتوقيت الدوحة

نظرة على اقتصاد مصر.. تدجين الشعب (1-2)

نظرة على اقتصاد مصر.. تدجين الشعب (1-2)
نظرة على اقتصاد مصر.. تدجين الشعب (1-2)
ظلت أحداث 18 و19 يناير 1977، شبحاً ماثلاً أمام الرئيس المصري الأسبق الراحل محمد أنور السادات، «بعبع» لا يستطيع تكراره مرة أخرى، عندما خرج ملايين المصريين إلى الشوارع، احتجاجاً على قرار اتخذه برفع أسعار الخبز والمحروقات، ولم يعد الاستقرار إلى الشارع سوى بعد التراجع عن القرارات، ونزول الجيش المصري لحفظ الأمن في ربوع البلاد؛ رغم أنه أقنع نفسه بأنها «انتفاضة حرامية»، بينما هي في حقيقتها «انتفاضة شعبية»، خاصة أن خروج الملايين كان عفوياً ولم يكن وراءه أية قوة سياسية، بدليل تبرئة المحكمة كل الذين تم القبض عليهم على خلفية الانتفاضة، ومعظمهم من المنتمين لليسار. كان الأمر بمثابة درس لخلفه في الحكم محمد حسني مبارك، الذي شهد الأحداث وكان نائباً للسادات منذ أبريل 1975، وتولي الرئاسة بعده في أكتوبر 1981، وظل مبارك في الحكم ثلاثين عاماً يشتكي من ارتفاع أرقام الدعم للخبز والمحروقات، ولكنه لم يجرؤ على اتخاذ قرار برفعه، ولجأ إلى العديد من الحيل؛ منها تقليل عبوة الغاز بنِسَب بسيطة مع احتفاظه بسعره نفسه دون زيادة.

يتحسّر كثير من المصريين من الأجيال الحالية على تلك الأيام، وهم يعانون من ارتفاع غير مسبوق في الأسعار في المجالات كافة، وإنهاء الدعم على المحروقات والكهرباء؛ الأخيرة بمتوسط 15% تقريباً، وزيادة في قيمة الفاتورة الشهرية تراوحت ما بين أربعة جنيهات و93.5 جنيه. أما المحروقات فحدّث ولاحرج؛ حيث أعلنت وزارة البترول المصرية تطبيق زيادة في أسعار المنتجات البترولية منذ أيام، ورفعت أسعار بنزين (95) من 7.75 جنيه للتر إلى 9 جنيهات بنسبة زيادة 16.1%، وبنزين (92) من 6.75 جنيه للتر إلى 8 جنيهات بنسبة زيادة 18.5%، وبنزين (80) من 5.50 جنيه للتر إلى 6.75 جنيه بنسبة زيادة 22.7%. كما رفعت سعر السولار والكيروسين من 5.50 جنيه للتر إلى 6.75 جنيه. أما بالنسبة للغاز الطبيعي، فحددت سعر 85 جنيهاً للمليون وحدة حرارية لاستخدامات قمائن الطوب، و3.5 جنيه لكل متر مكعب للسيارات، وبلغ سعر أسطوانة البوتاجاز 65 جنيهاً للمنزلي، و130 جنيهاً للتجاري.

الزيادة لم تكن مفاجأة لأحد، فلم تكن الأولى بل بدأت منذ عام 2014، كسياسة ممنهجة لتحفيز صندوق النقد الدولي على منح مصر قرضاً بقيمة 12 مليار دولار، والذي تم بالفعل بعد ذلك بعامين في 2016 في مبادرة من الحكومة المصرية، ودليل على قدرتها في تنفيذ شروط الصندوق وبرنامجه المحدد والواضح، ومن أهم بنوده إنهاء دعم المحروقات.

وتمثّل الزيادة الأخيرة الخامسة خلال أربع سنوات؛ الأولى منذ يوليو 2014 بما يقارب 50%، وجاءت الزيادة الثانية في نوفمبر 2016 بنسب تراوحت بين 30 و47%، ثم كانت الزيادة الثالثة في يونيو 2017 بنسبة تجاوزت 50%، وطبّقت الزيادة الرابعة في يونيو 2018 بنحو 67%.

وتتعدد الملاحظات على إدارة الحكومة المصرية ملف الزيادة الأخيرة، الذي كشف عن حقيقة قدرتها على «تدجين» الشعب المصري، باستخدام أقصى درجات القوة والعنف لمنع أية تظاهرات محتملة، مثلما حدث بشكل محدود في حالة ارتفاع أسعار تذاكر مترو الأنفاق منذ أكثر من عام؛ حيث تم القبض على معترضين على القرار، كما استخدمت الحكومة سياسة «اللعب بأعصاب الشعب»، بإعطاء إشارات متناقضة عن قرار رفع الأسعار منذ أكثر من أسبوعين، لدرجة أن وزارة المالية في 10 يونيو الماضي نفت إصدارها أية بيانات صحافية تتعلق بأسعار المشتقات البترولية أو الوقود؛ مؤكدة أن هناك من انتحل اسم الوزارة واستخدم الشعار الخاص بها، لإنشاء صفحة مزيفة على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، تبثّ الشائعات والأكاذيب بهدف نشر البلبلة وإثارة الرأي العام وتضليل المواطنين. وفي خلال تلك الفترة، عاش الشارع المصري بين أمل إلغاء القرار، أو حتى تأجيله بسبب استضافة مصر كأس الأمم الإفريقية، وانتظار صدوره. وكان ردّ فعل الشارع ما بين انتقادات على شبكات التواصل الاجتماعي، دون أي تحرك سلمي -وأؤكد هنا على السلمية- لإبداء رفضه القرارات نتيجة التأثيرات الاقتصادية على مستوى معيشته. واستخدمت الحكومة، عبر إعلامها الذي تتحكم فيه سواء القومي أو الخاص، «حملات غبية» تؤلّب طبقات الشعب المصري، كما روّجت فكرة أن هذه الزيادة هي الأخيرة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.