الجمعة 24 ربيع الأول / 22 نوفمبر 2019
06:47 م بتوقيت الدوحة

ضحايا التنمية البشرية

مها محمد

الأربعاء، 18 سبتمبر 2019
ضحايا التنمية البشرية
ضحايا التنمية البشرية
لا نشك في أن التنمية البشرية كانت من هدايا تطوّر العلوم الإنسانية في عصرنا، والعلم الذي فتح آفاقاً واسعة لانتشال الإنسان من آفات العصر وضغوط متطلباته. لكننا أيضاً في زمن الاستهلاك والتجارة في كل شيء وأي شيء؛ لذلك كان من المتوقع أن يسير في الموجة ذاتها، وأن تنشأ تجارة جديدة تتاجر في شجون الناس وأمنياتهم، وأن تدخل علينا بعض الفلسفات الغريبة، وأشكال من «ماركات» التنمية البشرية وصيحاتها، بدءاً من قانون الجذب، وليس انتهاءً بتأليه العقل الباطن وعلوم الطاقة.

وكي نتقبلها نحن العرب والمسلمين، كان لا بد لبعض تجّار التنمية البشرية من توظيف الكتاب والسنة، وتفسيرهما بما يسوّق لآرائهم الغريبة أحياناً ويعطي دليلاً عليها، حتى وصل الأمر ببعض من يُسمّون بمدربي التنمية البشرية إلى الولوغ في تفسير القرآن؛ بل إن أحدهم ادّعى أنه أسّس علماً جديداً أسماه «الديناتولوجي»!!! المصيبة هنا بالرغم من كل الخزعبلات والأكاذيب والترّهات التي يقولها هذا الشخص، أن كتبه تنفد، وكمية الشباب المتأثر به وبأمثاله مخيفة؛ ما ينبئ عن كم الخواء والضياع الذي يعيشه شباب هذا الجيل، ومدى تعطّشهم للملهم والقدوة والفكر الذي يناسب عصرهم وتطلعاتهم، والذي ينتشلهم من ضغوطات الحياة وصراعاتها حولهم.

الأمر الثاني الذي بات يهدّد مصداقية علم التنمية البشرية أنه تحوّل إلى صيحة من صيحات هذا العصر، وأصبح في ثقافة بعض الناس تماماً كاقتناء «آي فون» جديد، أو حقيبة «ماركة» كل حين ما دام الجميع يفعلون ذلك. وسوق التنمية البشرية زاخر بكثير من الأسماء، وكما تخرج علاجات تجميلية كل فترة فهناك ورشة أو محاضرة في التنمية البشرية قد تُقام على سطح يخت أو في «كافيه» فاخر. وبعد دفع مبالغ ليست بالقليلة، يتحول الأمر إلى مجرد تكديس معلومات، تماماً كما تتكدس الملابس والأحذية في دولاب كثيرين؛ ما يجعل الأمر عبثياً، وقد يدفع بعض الأشخاص إلى الشعور بالإحباط وفقدان الثقة؛ كونهم لم يستطعيوا تفعيل هذه المعلومات والتقنيات التي تلقّوها في هذه الورش وقد كانت تعد بكثير.

ولكي لا نصبح من ضحايا التنمية البشرية، علينا أن نعي أولاً حقيقة هذه العلوم، ونضع أسساً للإفادة منها بعد البحث الدقيق عن الصادق والحقيقي ومع ما يناسب عقيدتنا نحن المسلمين.

كما يجب أن نقلّص عدد من نتابعهم ونتعلّم على يديهم من مدربي التنمية البشرية، بحيث لا يزيدون على شخص أو اثنين؛ حتى يسهل علينا استيعاب كل ما يقدّمونه، وحتى نصل إلى مرحلة تمكّننا من أن نرى الحياة بأعينهم ومن ثم تطبيق هذه العلوم تطبيقاً عملياً؛ فلا ننتقل إلى ما بعدها حتى ننجح في الأولى.

في النهاية، يحتاج شباب هذا الجيل إلى جهود الكبار نحو مزيد من الوعي، ومزيد من القدوات، ومزيد من التنمية، وحل المشكلات.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.