السبت 22 ذو الحجة / 24 أغسطس 2019
02:19 م بتوقيت الدوحة

أساليب نظام الأسد في مواجهة الانتفاضة

ياسر سعد

الأربعاء، 29 يونيو 2011
أساليب نظام الأسد في مواجهة الانتفاضة
أساليب نظام الأسد في مواجهة الانتفاضة
لم يكن للنظام السوري من نهج سوى الخيار الأمني في تعامله مع الانتفاضة الشعبية التي تفجرت مطالبة بالحرية والكرامة ابتداء لتنتهي بالسعي لإسقاط النظام. ذلك لأن النظام ليس فقط عاجزاً عن الإصلاح ولكنه لا يرغب فيه كما يقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج تاون البروفيسور كارستين ويلاند في كتابه «سوريا.. الاقتراع أم الرصاص؟». فيما يرى الكاتب البريطاني آلان جورج صاحب كتاب «سورية.. لا خبز ولا حرية» أن أية إصلاحات جدية كفيلة بإسقاط النظام وإنهائه. النظام السوري قائم على حكم عائلي عشائري يستند على تقاسم كعكة السلطة، وهو نظام أمني من الطراز الأول، فبحسب بشار الأسد في خطابه الأخير في جامعة دمشق هناك حوالي 120 موافقة أمنية تعتبر جزءا من الروتين ومن الحياة العامة في سوريا. وحين تساءلت رئيسة تحرير «تشرين» السورية سميرة المسالمة في مقابلة تلفزيونية عن المسؤول عن قتل أبناء مدينتها، اتصل بها ضابط أمن ليبلغها بإقالتها من منصبها. النظام بصيغته الحالية قائم على توازنات تعتمد على توزيع الغنائم واستغلال السلطة وممارسة أنواع من الفساد الاقتصادي والإداري، الأمر الذي يجعل من الإصلاح عملية انتحارية له. الحكم في سوريا تعلم من الثورتين في مصر وتونس دروسا بالاتجاه المعاكس، فكان قراره الصارم بمنع الإعلام المحايد من تغطية الأحداث وعدم تقديم أية تنازلات جدية للمتظاهرين. في تعاطيه مع الانتفاضة اختار النظام سياسة القبضة الحديدية فتعامل مع مهد الاحتجاجات درعا بقسوة وعنف بالغين. أراد النظام من خلال حصار درعا وتدمير جزء من بنيتها التحتية أن يجعلها عبرة للمدن والبلدات الأخرى. وفي الوقت نفسه لجأ إعلامه إلى اللعب بورقة الجماعات المتطرفة والإمارات السلفية والحديث عن مؤامرات خارجية دون أن يكلف نفسه عبء تسمية تلك الأطراف ولو على استحياء. كما توسع النظام في الحديث عن الفتنة الطائفية وعن تحريض المحتجين عليها رغم تأكيدات جميع المعارضين والثائرين على وحدة الشعب، وكان النظام يرسل بذلك رسائل تخويف للداخل من المآل العراقي وبالذات للأقليات والتي أراد النظام التمترس بها وربط مصيرها بمصيره، ورسائل للخارج تحذر من مزيد من عدم الاستقرار في منطقة مضطربة ابتداء. عمد النظام إلى إرسال رسالة واضحة لإسرائيل عبر مقابلة صحافية لرامي مخلوف في «نيويورك تايمز»، حذر فيها من أنها قد تخسر استقرارها وهدوء جبهتها إذا ما تعرض حكمه لمعاناة لن تتوقف عنده فقط, بل ستمتد لغيره. وفي ذكرى النكبة والنكسة ترجم النظام تحذيرات مخلوف عبر فتح الحدود أمام جموع من الشباب، مما أربك الدولة العبرية ودفعها لتحذير دمشق من اللعب بالنار, ولعل ما كتبته هيلاري كلينتون في صحيفة «الشرق الأوسط» في 18 يونيو حول سوريا يفتح الباب واسعا أمام التكهنات حول الأوراق التي يمتلكها النظام والتي حالت حتى كتابة هذه السطور بين أوباما ودعوته للأسد للتنحي. فقد كتبت كلينتون: «فإذا كان الرئيس الأسد يعتقد أنه يستطيع المضي فيما يقوم به دون عقاب لأن المجتمع الدولي يأمل في تعاونه في القضايا الأخرى، فهو أيضا مخطئ في هذا. ومن المؤكد أنه يمكن الاستغناء عنه وعن نظامه». القضايا الأخرى التي أشارت إليها كلينتون هي على الأرجح استقرار وأمن الدولة العبرية وما يسمى بالحرب على الإرهاب. والملاحظ أن خطاب بشار في جامعة دمشق خلا تماما من ذكر إسرائيل كما أن المعلم في مؤتمره الصحافي لم ينتقد الموقف الأميركي كما فعل مع الموقف الأوروبي. وحين وجد النظام أن سياسة القبضة الحديدية في درعا لم توقف مد الغضب الشعبي تحول تصعيدا إلى سياسة الأرض المحروقة في الداخل لتتوازى مع دعوات الحوار وقرارات العفو كرسائل للخارج لكسب الوقت وإنهاء الاحتجاجات بأية وسيلة ومهما كلف الثمن. اختارت السلطات السورية أن تمارس سياساتها الجديدة في مدن صغيرة مثل جسر الشغور تمهيدا لنقلها إن أسعفها الوقت لمدن أكبر مثل حماة. ومع تصاعد الاحتجاجات واقتراب الاقتصاد لحالة الاختناق والانهيار وتزايد الانتقادات الدولية عمد النظام إلى ممارسة سياسة حافة الهاوية والتي أتقنها الأسد الأب، وهي تقوم على تصعيد للأمور لتصل إلى نقطة قريبة من الانفجار الشامل، والتراجع بعدها في محاولة لعقد الصفقات وتقديم التنازلات. فتم انتقاد تركيا بطريقة لاذعة وتحرك الجيش السوري إلى حدودها مع الإشادة بدعم حزب الله وإيران، وسربت تصريحات إيرانية بالاستعداد لإشعال المنطقة وأخرى منسوبة لحزب الله عن إمكانية فتح جبهة الجنوب مع إسرائيل إذا تأزمت الأمور مع النظام السوري. على اللجان التنسيقية بتقديري اعتماد استراتيجية ترد فيها على خطوات النظام ومخططاته تأخذ بالاعتبار الأوضاع الشعبية على الأرض وتأخذ بالحسبان احتمالية أن يطول الصراع ويمتد لأسابيع وربما لأكثر. من الممكن تطوير أساليب النضال وتنويعها من مدن لأخرى، فعلى المدن التي يتحاشى النظام استخدام العنف فيها لأسباب تكتيكية أن تستمر في زخم التظاهر والاحتجاج، فيما تدخل المدن المستهدفة بسياسة الأرض المحروقة إلى إضرابات شاملة وتتدرج في عصيان مدني كامل. وبتقديري فإن المبادرات السياسية الموازية للحراك الشعبي والمنبثقة من شرعيته -مثل الدعوة لمؤتمر إنقاذ داخلي أو لقاء للعلماء يفتح المجال أمام انتقال سلمي للسلطة- قد تكون مفيدة في قطع الطريق على مبادرات النظام الخاوية والتي يريد من خلالها إرسال رسائل للخارج لكسب مزيد من الوقت لقمع الثورة واضطهاد أبنائها
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.