الثلاثاء 14 ربيع الأول / 12 نوفمبر 2019
03:41 ص بتوقيت الدوحة

عن صفات «الديكتاتور المفضّل» ومعضلة «الإسلام السياسي»

ياسر الزعاترة

الأربعاء، 02 أكتوبر 2019
عن صفات «الديكتاتور المفضّل» ومعضلة «الإسلام السياسي»
عن صفات «الديكتاتور المفضّل» ومعضلة «الإسلام السياسي»
من هو «الديكتاتور المفضّل» عند الرئيس الأميركي ترمب؟ وهل معضلة المنطقة هي «الإسلام السياسي»؟
سؤالان طُرحا في الأيام الماضية على خلفية الخطابات والمواقف التي تابعناها في نيويورك على هامش اجتماعات الأمم المتحدة.
للتذكير فقط، فقد صدرت عن ترمب كثير من التصريحات التي تعبّر عن تمنّيه لو أنه ديكتاتور على طريقة زعيم كوريا الشمالية؛ لكن المشكلة أن النظام الأميركي لا يسمح له بذلك، وهو من ثم يعبّر عن هواجس شخصية بدعمه الأنظمة الديكتاتورية، إن كانت تلك الشمولية، أم تلك التي تتلطّى وراء ديمقراطية «ديكورية» كما هو حال روسيا، فضلاً عن كثير من أنظمة منطقتنا. بعيداً عن الأبعاد الشخصية، فإن هناك مواصفات محدّدة للديكتاتور الذي يمكن أن يفضّله ترمب على وجه التحديد؛ الأمر الذي ينسحب بقدر ما على القوى الكبرى الأخرى التي تنافس أميركا، وفي مقدمتها روسيا والصين، وها هي الهند تنضم إلى الركب أيضاً كما عكس ذلك خطاب رئيس وزرائها في تكساس بجانب ترمب حين تحدّثا عن «الإرهاب الإسلامي». حتى يكون الديكتاتور مفضّلاً عند ترمب، ولنتحدث تحديداً عن منطقتنا، فإن المطلوب منه أن يكون على علاقة حميمة، وأقله طيبة مع الكيان الصهيوني؛ فالرجل أولاً وأخيراً يحدّد مواقفه على إيقاع الهواجس الصهيونية، وبالطبع من أجل إرضاء اللوبي الصهيوني، وقبله وبعده الكتلة الأهم في الحزب الجمهوري؛ أي التيار الإنجيلي الذي يرى في دعم الكيان مهمة عقائدية تمهّد لعودة «المسيح المخلّص»!

وحتى يكون الديكتاتور مفضّلاً أيضاً، فإن المطلوب منه أن يكون جاهزاً للابتزاز ما دام بوسعه ذلك، أو ما دام هناك ما يمكن أن يُبتزّ منه إذا كان من الدول الثرية، كما يجب أن يكون أقرب إلى أميركا منه إلى أي من المنافسين، وبخاصة الصين وروسيا؛ ولكن بالإمكان التسامح مع هذا البُعد الأخير ما دام يقترب أكثر فأكثر من تحقيق مصالح الكيان الصهيوني.

ليجرّب أي ديكتاتور في الشرق الأوسط أن يتخذ مواقف مناهضة للكيان الصهيوني، وليرَ بأم عينه كيف سيصبح ديكتاتوراً منبوذاً وليس مفضّلاً عند ترمب، وربما عند من سيأتي بعده، في ظل سطوة اللوبي الصهيوني التي تجاوزت كل الحدود في الولايات المتحدة واخترقت الحزبين اللذين يتداولان على السلطة. الصفة الثانية والمهمة بالنسبة لترمب، التي تمنح الديكتاتور مرتبة التفضيل -وهنا تلتقي معه روسيا والصين، وحتى الهند- هي أن يكون له موقف سلبي من «الإسلام السياسي»، وبتعبير أدقّ من الإسلام ذاته بصفته عنصراً فاعلاً في المجتمع، سواء ترجم ذلك بهجاء «الإسلام السياسي» أم بالحديث عن تجديد الدين وما شابه من مصطلحات تصبّ في خانة محاربة التديّن بوصفه حاضنة لـ «الإسلام السياسي».

هنا يأتي السؤال التالي المتعلق بـ «الإسلام السياسي» بوصفه معضلة المنطقة وسبب عدم الاستقرار فيها، كما جاء على لسان أحد الرؤساء العرب، وبالطبع في سياق مجاملة ترمب والآخرين. والسؤال هو: هل معضلة الديكتاتورية العربية هي مع «الإسلام السياسي» حقاً؟ وهل لو اختفى هذا من الوجود ستنتهي المشكلة وسيتحوّلون إلى حكّام ديمقراطيين؟

الجواب ببساطة هو «لا» كبيرة؛ لأن مشكلة هؤلاء هي المعارضة من أي لون كانت، وما يجري في كل الدول العربية يؤكد ذلك؛ فالمعارضة مستهدفة دائماً وأبداً؛ بل ربما ستكون أكثر استهدافاً لو كانت علمانية خشية أن تجد أصواتاً داعمة لها في الغرب. الديكتاتور العربي لا يريد سماع صوت غير صوته، بدليل أنه طالما قدّم تيارات تنتمي إلى الإسلام السياسي (مثل سلفية ولاة الأمر)، وشقّ أحزاباً إسلامية لاستقطاب جزء يؤيده منها، واستخدم تيارات دينية في تثبيت شرعية حكمه، حتى من تلك الغارقة في النهج المتشدّد غير العنيف. هكذا تتبدّى حقيقة المعضلة، وهي الديكتاتورية التي يتغنى بها ترمب ويدعمها ضمنياً كل الغرب، فضلاً عن روسيا والصين؛ لأن الأوضاع القائمة في المنطقة هي التي تخدم مصالحه، وإذا ما استعادت هذه الشعوب قرارها وإرادتها فإنها لن تقبل بوجود الكيان الصهيوني، كما لن تقبل بالتبعية، وهي ستفعل ذلك أكانت إسلامية أم من أي لون آخر ما دامت ستعود للجماهير لتطلب أصواتها ودعمها. ربيع العرب لم يكن احتجاجاً دينياً؛ بل كان ثورة من أجل الحرية والعدالة والاجتماعية، والتحرّر والاستقلال؛ ولذلك فهو سيواصل التجدّد، حتى لو سُحقت قوى «الإسلام السياسي»؛ الأمر الذي يبدو مستحيلاً.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.