الأربعاء 14 شعبان / 08 أبريل 2020
03:05 م بتوقيت الدوحة

روح التعصب (2-2)

روح التعصب   (2-2)
روح التعصب (2-2)
يُعَد رئيس وزراء المملكة المتحدة بوريس جونسون شخصاً أكثر سلاسة وأفضل تعليماً من ترمب، لكنه أيضاً يرفض التوقف عن إطلاق وصف الخونة أو المتعاونين مع قوى أجنبية على معارضي السياسة التي ينتهجها في ما يتصل بالخروج من الاتحاد الأوروبي.
وعلى حد تعبير جونسون، يُعَد أي مشروع قانون يسمح للبرلمان بمنع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق «وثيقة استسلام»، عندما انتقدت النائبة بولا شريف لغة رئيس الوزراء في البرلمان، موضحة أن أعضاء البرلمان يتعرضون بشكل متكرر لتهديدات بالقتل وسوء المعاملة من قِبَل أناس يستخدمون مثل هذه الكلمات، أجابها بنبرة عدائية، قائلاً إنه «لم يسمع مثل هذا الهراء طوال حياته».
الخطر الكامن في هذا النوع من الخطابة ليس فقط أنه يسمح لمحبي العنف بالتصرف انطلاقاً من دوافعهم الوحشية فحسب، فإذا قال الرئيس أو رئيس الوزراء إن هناك خونة بيننا، فإن هذا لا يجيز مهاجمتهم فحسب، بل ويجعل من ذلك واجباً وطنياً.
واستخدام لغة نابية مسيئة ليس مجرد مسألة فظاظة أو عدم كياسة، فهو أمر شائع في الخطاب الديمقراطي، من قِبَل كل الأطراف، على الرغم من القواعد غير الرسمية «صديقي المحترم» التي تقضي بتمويهه.
يتمثل أخطر عواقب حقن العنف في السياسة، حتى وإن كان ذلك بالكلمات، لأن ذلك يتسبب في إلحاق أضرار بالغة بالديمقراطية الليبرالية، فالديمقراطية التمثيلية من غير الممكن أن تعمل على النحو اللائق، إلا إذا امتنع المعارضون السياسيون عن التصرف كما لو كانوا أعداء لدودين مهلكين، ويتعين على الساسة أن يحاولوا الدفاع عن مصالح ناخبيهم فقط عن طريق الحجة والحوار والحلول الوسط، ولكن من غير الممكن أن تتوصل إلى حل وسط مع عدو أو خائن، تماماً كما لا يستطيع أي شخص متدين أن يتنازل بشأن شيء يعتبره مقدّساً.
هناك العديد من الأسباب التي تجعل حتى أقدم الديمقراطيات -مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة- ممزقة ومتصدّعة على نحو متزايد بفِعل الكراهية القبلية، فلم تعد السياسة الآن معنية بالمصالح أكثر من اهتمامها بالثقافة والهوية والمشاعر الغاضبة التي تستثار في غرف الصدى التي لا تنتهي على الإنترنت، وهذا ليس كله خطأ الساسة، ولكن، عندما يستغل القادة السياسيون هذه الانقسامات عمداً، ويؤججون مشاعر العداء، فإنهم يلحقون أضراراً جسيمة بالمؤسسات التي تضمن حرية الناس وسلامتهم.
من الصعب أن نعرف ما إذا كان العنف ينحسر بمجرد رحيل أمثال ترمب، وجونسون، ومودي، وبولسونارو، إذ يتوقف الأمر بوضوح على من سيأتي من بعدهم، ولكن بمجرد أن يشعر الناس بأنهم يحملون رخصة لانتهاك كل قواعد السلوك الحضاري، لأن أعلى القادة السياسيين فعلوا ذلك بالفعل، يُصبح من الصعب عكس الاتجاه. تتمثل المفارقة الأشد ترويعاً في عصرنا في أن الأشخاص الذين وعدوا بجعل بلادهم عظيمة مرة أخرى يبذلون قصارى جهدهم لتدمير ما جعلها عظيمة في المقام الأول.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.