الإثنين 22 جمادى الثانية / 17 فبراير 2020
06:17 ص بتوقيت الدوحة

الحبُّ حين أصبح مشكلة

مها محمد

الأربعاء، 25 ديسمبر 2019
الحبُّ حين أصبح مشكلة
الحبُّ حين أصبح مشكلة
ككل المشاعر التي وضعها الله في النفوس البشرية، أو حتى المخلوقات الأخرى، كي تكون جاهزة للاستمرار على الأرض وإعمارها، الحب شعور أصيل بمعناه الشامل، يصنع ذلك النوع من الترابط العميق والحميم بين المخلوقات، وما يحملها على التعايش، ومن ثم تحمّل تبعات هذا التعايش.
العلوم الإنسانية اليوم استطاعت أن تقدم لنا صورة تشريحية للحب الإنساني كما لم نعرفه من قبل، ومن ذلك عاطفة الحب التي تكون بين المرأة والرجل، مقابل النظرة ثم الابتسامة، صورة ذهنية مختزلة في ذاكرة العقل تطابق الواقع وتحفز الإعجاب، لتبدأ بعدها مسيرة متدفقة من «أفيونات» يفرزها الجسد، فتصنع خليطاً عجيباً يؤدي إلى إدمان وجود هذا الشخص بعينه، كما يصنع الكوكايين بنسبة 75 %، وحينها نكون قد منحنا العقل قرارنا بأن نحب، ربما بعيداً جداً عن رؤية حقيقية عميقة لمن أحببنا، وإن كان هذا الشخص صادقاً معنا أم لا، لكنها كيمياء البقاء التي قد تتحول إلى كيمياء الألم، أو كيمياء الفجيعة بالفقد، أو الغدر، أو الحرمان ممن نحب.
ربما لم تُستهلك هذه العاطفة أو تُضخم بغرض الاستهلاك في عصر من العصور كما حدث في عصرنا، حتى خرجت من إطارها الصحيح وشغلت مساحة أكبر مما يجب أن تشغله، لذا نرى هذا التراكم الهائل لمشكلات هذه العاطفة، بل وكأنها أصبحت معضلة عالمية، تسبق القلق والاكتئاب والتوتر وتشغل علماء النفس وخبراء التواصل.
وكي نعالج هذه المشكلة من الأساس، علينا أن نصحح ثقافة الحب، وأن نعي تماماً أن ما نشاهده وما يشاهده أبناؤنا من مسلسلات غرامية، وما يسمعونه من أغانٍ عاطفية ليست للمتعة فقط، بل هي رسائل متواترة يستقبلها العقل الباطن بشكل متكرر، فتصنع وعيهم وتصورهم لأمور الحياة حولهم، دون أن نخطط أو أن نستشعر خطر كل ذلك، في المقابل يحتاج أبناؤنا الحب في طفولتهم بجرعات كافية، تضمن عدم سقوطهم في مشكلة العوز العاطفي في المستقبل، مع تكون تلك الصورة الذهنية القاصرة، مما يعرّضهم للاستغلال العاطفي والمشكلات التي تشوّههم عاطفياً ونفسياً، وقد تدمر حياتهم أو تدفع بعضهم للانتحار.
تفاقم هذه المشكلات أيضاً يجب أن يذكّرنا أننا بعدنا مسافات طويلة عن توجيهات الخطاب الرباني العظيم، الذي وضع لنا أُطراً وقواعد تراعي حرمة العاطفة البشرية، وتحميها من السقوط والاستغلال، خاصة أن هذا السقوط لا يكاد يستثني أحداً، لذلك علينا أن نأخذ هذه التوجيهات بجدية، وأن نجعلها ضمن الخطط التربوية لأنفسنا وأبنائنا: «فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ»، «قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ»، «لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ»، آيات واضحة توجه حواسنا ومشاعرنا البشرية، وتوفر علينا كثيراً من الخبرات والآلام والدراسات التي قد تأتي متأخرة، «وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ».
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.