الخميس 08 شعبان / 02 أبريل 2020
08:29 ص بتوقيت الدوحة

درس العراقيين البليغ

درس العراقيين البليغ
درس العراقيين البليغ
منحنا العراقيون خلال انتفاضتهم الراهنة كثيراً من الدروس الجميلة التي تستحق التوقف. ولعلّ الدرس الأكثر وضوحاً هو درس البسالة التي سجّلها الشعب والرموز الشبابية الرائعة، ذلك أن النزول إلى الشارع والعودة إلى البيت بسلام يبدو مهمة سهلة أمام أناس يذهبون إلى ساحات الاحتجاج، ولا يدري أحدهم هل سيعود إلى بيته أم لا، فضلاً عن بسالة النشطاء الذين تم استهدافهم بالخطف والتعذيب والقتل على نحو رهيب؛ لكن زملاءهم لم يتوقفوا عن متابعة المسيرة.
والحال أن هذا الدرس لم يكن جديداً على شعوبنا، فقد قدّمه لنا السوريون واليمنيون والليبيون والمصريون والتونسيون والجزائريون والسودانيون واللبنانيون، وخرج كثير منهم وهم يدركون -على تفاوت بين حالة وأخرى- أنهم في مهمة صعبة، قد تنتهي بالموت أو الإصابة. ولا شكّ أن السوريين كانوا الأكثر بذلاً للتضحيات، حتى دأبنا على القول إن سوريا هي مجزرة العصر بلا منازع، وقد رأينا الأشهر الأولى من الثورة -وقبل ظهور السلاح- كيف قدّموا آلاف الشهداء وأضعافهم من المعتقلين الذي كانوا يدركون أنهم سيعيشون أجواءً تتفوّق على الموت من حيث بشاعتها.
إن الدرس الذي قدّمه لنا العراقيون كان أكثر روعة ودلالة، وإن سبقهم السوريون الذين هتفوا بداية الثورة «واحد، واحد، واحد.. الشعب السوري واحد»، وهو ذاته الدرس الأهم في عموم «الربيع العربي»، ممثلاً في أن ها هنا شعباً يريد الحرية والعدالة للجميع، وليس لفئة دون أخرى.
العراقيون الذين احتجوا -وأكثرهم شيعة- كانوا يحتجون ضد فساد من رموز شيعة؛ ما يعني أنهم كان يطلبون العدالة لهم ولكل أبناء الوطن، وأعلنوا بكل وضوح أن اللص هو اللص، سواء أكان شيعياً أم سنياً أم كردياً، أم من أي دين أو مذهب.
ورأوا كيف تحوّل فقراء إلى أثرى الأثرياء من دون أن يعودوا على عموم الشعب بغير البؤس والدمار، بمن فيهم أناس روّجوا للطائفية للتعمية على فسادهم، فكان العنف المجنون الذي اجتاح البلد بطوله وعرضه، وأدى إلى مجزرة بشعة أصابت الجميع.
لقد قال العراقيون البواسل -بالفم الملآن- إن الفساد هو الفساد، والفاسد هو الفاسد، وإنهم يطلبون الحرية والعدالة للجميع. وإذا كان العرب السُّنّة قد تخلّفوا عن منظومة الاحتجاج على النحو المطلوب، فقد كان ذلك إدراكاً منهم لحساسية الموقف، وإمكانية استغلال ذلك للتخريب على أهداف الانتفاضة، فضلاً عن أن الميليشيات التي تطارد المحتجين ستكون أكثر بشاعة في ردها، وستبرّر ذلك على نحو طائفي؛ ما يعيد البلد إلى دوامة الموت والدمار من جديد.
في أي حال، فقد قدّم لنا العراقيون هذا الدرس الأكثر بلاغة، وربما ذكّرونا به بتعبير أدق؛ لأن الحرية والعدالة للجميع هي جوهر «الربيع العربي»، ما يدفع نحو إدانة أولئك الذين وقفوا ضده لاعتبارات طائفية بدعوى أن الإسلاميين هم من يتصدرون المشهد. ورأينا بعض الأقليات تنتصر لطاغية مثل بشار تحت هذه اللافتة، وإن أنكرت ذلك، أو وضعته في سياق من حكايات المقاومة والممانعة، لكأن الأخيرة ماركة مسجّلة باسم فئة دون أخرى، وليست نمطاً راسخاً في وعي شعوبنا حين يداهمها الاحتلال أو الظلم.
شكراً للعراقيين البواسل الذين منحونا أملاً جديداً، لم يغب عملياً، وها هو يتجدد بين حين وآخر، وسيواصل التجدد؛ حتى تحقق شعوبنا أهدافها النبيلة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.