الثلاثاء 10 شوال / 02 يونيو 2020
01:41 ص بتوقيت الدوحة

الصحافة والكتابة.. في زمن «كورونا» (2-3)

الصحافة والكتابة.. في زمن «كورونا»    (2-3)
الصحافة والكتابة.. في زمن «كورونا» (2-3)
ليالي زمن «كورونا» تمرّ بطيئة وطويلة، لكنها ليست كذلك لمن يقرأون طوال الوقت حتى يستطيعوا الكتابة
الأديب المصري الفذّ مصطفى لطفي المنفلوطي، كتب في بداية القرن العشرين أن الكاتب يشبه «عربة الرشّ» وهي عربة كانت تستخدمها إدارات البلديات والأحياء في مصر خصوصاً في العاصمة والمدن الكبرى، لرشّ الشوارع بعد كنسها وتنظيفها.
المنفلوطي قال إن المبدع الذي يريد أن يكتب يشبه تلك العربة، لأنه يحتاج أن يملأ عقله ووجدانه بالقراءة والتأمل والمطالعة، حتى يستطيع أن يرشّ بالكتابة والفنون والإبداع.
تذكرت تلك الليلة الشتوية الدافئة نسبياً من العام 1986، وكنت حينها طالباً بجامعة القاهرة وعضواً في اتحاد طلابها، وتلقيت دعوة من اتحاد طلاب الجامعة الأميركية لمشاهدة العرض الأول للفيلم الأميركي الحديث وقتها «العودة للمستقبل».
كانت ليلة رائعة لا تُنسى، كان الجمهور مميزاً في قاعة «إيوارت» بمنطقة وسط البلد بالقاهرة، لكن الأكثر تميزاً وإبهاراً بالنسبة لي هو الفيلم الذي ينتمي لنوعية «الخيال العلمي» ذي الطابع الكوميدي.
تروي أحداث الفيلم قصة مراهق أميركي يدعى مارتن ماكفلاي، قام بدوره الممثل الشاب مايكل جيه فوكس، يسافر عبر الزمن مع صديقه العالم الفيزيائي العجوز الدكتور إيميت براون، ويقوم بدوره الممثل الأميركي كريستوفر لويد، عبر سيارة متطورة عابرة للزمن، اخترعها الأخير، ليمضيا في رحلتين من نوع مختلف.
الشاب يحاول الانتقال بالسيارة إلى المستقبل فتعيده إلى الماضي، وهذا ما يعطيه فرصة لتغيير مستقبله، حيث يعمل على تطوير قدرات والده ووالدته ليصبحا أفضل.
انبهرت بفكرة الفيلم، وبعدها شاهدت الجزء الثاني الذي تابع القصة عندما يسافر الشاب ماكفلاي للمستقبل مرة أخرى، ويجد والده كاتباً مشهوراً ووالدته سيدة فاضلة تحتفل بإنجازات والده في مجال الكتابة، ويجد نفسه وعائلته يعيشون في قصر كبير، بعدما كانوا في بداية الفيلم يعانون من الفقر وضيق الحال.
حسناً، لكن ما علاقة كل ذلك بالصحافة والكتابة الصحافية، وما علاقتنا بذكرياتك الخاصة؟!
اصبر يا صديقي، نحن في زمن «كورونا»، ولدينا مزيد من الوقت!
في الجزء الثاني من الفيلم، وخلال زيارة الشاب مارتن ماكفلاي للمستقبل، يهبط في مدينته الخيالية بأميركا «مدينة هيل فالي» يوم 21 أكتوبر من العام 2015، ليجد أشياء كثيرة تغيرت، فهناك أحذية تربط نفسها بنفسها، وأخرى للتزلج تطير بمن يرتديها، وأفران البيتزا التي تجعلها ضخمة وأكبر بكثير من حجمها الحقيقي، تخيل نفسك مكاني آنذاك وتشاهد تلك الابتكارات التي لم تكن تخطر على بال!
عموماً، فإن المشهد الأهم بالنسبة لموضوعنا هو أن الشاب مارتن ماكفلاي كان يطالع الصفحة الأولى من صحيفة «يو أس أيه توداي» في نفس تاريخ وصوله للمستقبل، وهو 21 أكتوبر 2015، أي بعد نحو 30 عاماً من إنتاج الفيلم.
رغم مرور سنوات طويلة، استمر انبهاري وارتباطي بتلك الليلة التي شاهدت فيها الجزء الأول من الفيلم، ذكرياتها ترسخت في وجداني، وفوجئت بأنه رغم مرور ثلاثة عقود على عرض الفيلم، وتغيير الإدارة والصحافيين في تلك الصحيفة الأميركية التي يتم توزيعها على نطاق فيدرالي في ولايات أميركا الخمسين، أنها خصصت في اليوم نفسه «21 أكتوبر 2015» صفحتها الأولى، لتصدر كنسخة طبق الأصل كما ظهرت في الفيلم قبل 30 عاماً!
ساعتها أدركت أن هذه اللفتة الذكية من الصحيفة، تعكس وعي الإدارة ومالكيها بالدور الذي يقومون به كنموذج لبقية المؤسسات الصحافية الأخرى في أميركا والعالم، وهو إرث مهني تحرص عليه الصحيفة الأولى أميركياً منذ انطلاقتها في 15 سبتمبر من العام 1982، وللحديث بقية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.