الإثنين 09 شوال / 01 يونيو 2020
01:35 ص بتوقيت الدوحة

أحكام تجهيز موتى المسلمين من ضحايا جائحة «كورونا»

الدوحة - العرب

السبت، 04 أبريل 2020
عملية دفن إسلامية لأحد اضحايا كورونا في بريطانيا
عملية دفن إسلامية لأحد اضحايا كورونا في بريطانيا
يواصل فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) حصد أرواح الآلاف حول العالم في مشهد يجسد عجز الإنسان عن مجابهة هذا الوحش غير المرئي الذي يفتك بالبشر دون رحمة ولا شفقة.

وورد للجنة الفقه والفتوى في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين جملة من الأسئلة المتعلقة بتجهيز الموتى المسلمين، كالتغسيل والتكفين والدفن والصلاة عليه، كما كانت هناك أسئلة تخص البلاد غير الإسلامية كالدفن في التوابيت، وحرق الموتى في بعض الدول. 

واشتمل رد لجنة الفتوى بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمينعلى الآتي:
 
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله.
ونود بدايةً التأكيد أن الله تعالى كرم بني آدم، وفرض حقوقاً وشرع أحكاماً، تحقق هذه التكريم وتعبر عنه، ومن جملة هذه الأحكام والحقوق، أنه فرض على المسلمين تغسيلَه، وتكفينَه، والصلاةَ عليه، ثم دفنَه، وهذه الأحكام السابقة كلها، فرضُ كفاية؛ فإذا فعلها بعضُ المسلمين، سقطَ الإثمُ عن الآخرين.

فيما يتعلق بتغسيل الموتى: 

من المعلوم أن تغسيل الميت واجب كفائي كما أشرنا آنفا، وإذا قام به بعض المسلمين سقط عن الآخرين، وفي مثل هذه النازلة فإن هذا الواجب يؤدى على قدر الاستطاعة لقوله تعالى:(فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)(التغابن: 16)، وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَما أَمَرْتُكُمْ به فَافْعَلُوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ". فيدور هذا الوجوب في فلك فقه الواجب في أحوال الناس العادية، وما حصل للناس اليوم يقع في باب الضرورات والحاجات التي تنزل منزلة الضرورة، وينتقل الحكم الشرعي من العزيمة إلى الرخصة، ويُخرّج على بعض القواعد الفقهية الكلية، كقاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور، والمشقة تجلب التيسير، والأمر إذا ضاق اتسع...

فإن لم يتمكن المسلمون من تغسيل الميت مباشرة بعد أن يأخذوا بأسباب الوقاية باحتياط شديد، صبوا
عليه الماء من بعيد ولو خلف ثيابه، وإن لم يتمكنوا من صب الماء من بعيد سقط الحكم، واكتفوا بدفنه مأجورين. وفي الأحوال كلها يتم التنسيق والترتيب مع الجهات الصحية المعتبرة.

وأما فيما يتعلق بالتكفين:

فقد بينا في فتوى سابقة أن تكفين الميت فرض كفاية إن قام به البعض سقط التكليف عن الآخرين ويجب أن يكون ذلك  بالترتيب مع الجهات الصحية دفعا لمفسدة انتقال الضرر والعدوى للغير . 

وأما فيما يتعلق بالدفن:

فإن من كرامة الإنسان دفنه، ودفن الميت واجب كفائي، وأما ما يتعلق بالدفن في الصندوق الخشبي (التابوت) فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى كراهية ذلك، ولكن هذه الكراهة تزول للحاجة ] الفتاوى الكبرى ، ابن تيمية ،262/1[، والحاجة هنا هي المشقة في دفنه بغير تابوت، في بعض بلاد الغرب، وبالتالي فإن حكم الكراهة نفسَه يزول. قال النووي في شرح المهذب:"والكراهة في التابوب مختصة بما إذا لم يتعذر اجتماعه في غيره( يقصد إن كان بدنه ممزقا)" [المجموع شرح المهذب، الإمام النووي، 293/5].وأما في حالة الخوف من انتشار الوباء أو إلحاق الضرر بالأحياء،  بحسب قرار أهل الاختصاص، فإن الدفن في تابوت أو كيس مغلق لا كراهة فيه، بل قد يكون الأولى شرعا ، وذلك لما تقتضيه ضرورة الحفاظ على حياة المشيعين، ومنع انتقال العدوى لهم . وقد نص بعض الفقهاء على أن اتخاذ التابوت يجوز للمصلحة، كما ذكر ذلك الخطيب الشربيني في شرحه للمنهاج بقوله:"يكره دفنه في تابوت إلا في أرض ندية أو رخوة، فلا يكره للمصلحة."[ مغني المحتاج ، الشربيني، 53/2] فإن كان هذا لمصلحة جسد الميت، فكيف لا يكون واجبا في حق الأحياء وحياتهم؟ 

أما ما يتلعق بمكان الدفن: 

فالأصل أن يدفن المسلم في مقابر المسلمين، فإن لم يتمكنوا من دفنه مع المسلمين، دفنوه في مقابر مشتركة، وإلا ففي أي مقبرة.

وتجب الصلاة عليه ، ولو فرادى، أو يصلوا عليه صلاة الغائب إن لم يصل عليه أحد.

أما فيما يتعلق بحرق الموتى: 

فإن حرق الموتى قبل دفنهم، منكرٌ، وحرامٌ في شريعتنا، وغير معمول به في الشرائع النصرانية واليهودية، ولكنها عادة انتقلت للغرب منذ قرون. أما في شريعتنا فإن الإسلام كرم الإنسان، قال تعالى: }وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى? كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا{ (الاسراء:70)، وهذا عام يشمل كل إنسان، حياً وميتاً. ومن تكريم الإسلام للإنسان، أنه حرم كسر عظمه حياً وميتا، لما رواه أبو داوود، وابن ماجه في سننهما من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"كسر عظم الميت ككسره حيا." ، فإن كان كسر عظمه محرما، فمن باب أولى حرقه. كما جاء في البخاري من حديث ابن عباس أنه قال: هذه زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوها، ولا تزلزلوها، وارفقوا " [البخاري، كتاب النكاح،باب كثرة النساء، حديث رقم 5067] قال ابن حجر رحمه الله:"ويستفاد منه أن حرمة المؤمن بعد موته باقية كما كانت في حياته" [فتح الباري، ابن حجر، 9/113]

وقد تناهى لعلمنا أن بعض الدول تراجعت عن هذا القرار وأجازت للمسلمين أن يدفنوا بحسب شريعتهم، وهذا أمر تشكر عليه تلك الدول، ولكن إن أصرت بعض الدول على حرق الجثث دون تمييز، بسبب كثرة الموتى وخوفا من الوباء، فيجب على المسلمين أولا، أن يبينوا للدولة خصوصيتهم الدينية، وأن الحرق في شريعتهم محرم، وأن يطالبوا الدولة، بدفن موتى المسلمين بكل ما أوتوا من جهد في إطار القانون والمؤسسات الحقوقية، فإن فعلوا ذلك سقط الإثم عنهم.

كما نوصي المسلمين بالدعاء للموتى، وتفقد أهلهم من بعدهم، ونوصيهم بالمطالبة باحترام حقوقهم الإنسانية وخصوصيتهم الدينية، بما يخوله لهم القانون والأعراف الدولية.. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. 
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.